الخطيب الشربيني

627

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

سورة والليل مكية ، وهي إحدى وعشرون آية وإحدى وسبعون كلمة وثلاثمائة وعشرة أحرف . بسم اللّه الرّحمن الرّحيم بِسْمِ اللَّهِ الملك الحق المبين الرَّحْمنِ الذي عمّ رزقه العالمين الرَّحِيمِ الذي خص بجنته المؤمنين . [ سورة الليل ( 92 ) : الآيات 1 إلى 21 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى ( 1 ) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى ( 2 ) وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ( 3 ) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ( 4 ) فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى ( 5 ) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى ( 6 ) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى ( 7 ) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى ( 8 ) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى ( 9 ) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى ( 10 ) وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى ( 11 ) إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى ( 12 ) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى ( 13 ) فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى ( 14 ) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى ( 15 ) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 16 ) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ( 17 ) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى ( 18 ) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى ( 19 ) إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى ( 20 ) وَلَسَوْفَ يَرْضى ( 21 ) وقوله تعالى : وَاللَّيْلِ ، أي : الذي هو آلة الظلام إِذا يَغْشى قسم . وقد مرّ الكلام على ذلك ، ولم يذكر تعالى مفعولا للعلم به ، فقيل : يغشى بظلمته كل ما بين السماء والأرض ، وقيل : يغشى النهار ، وقيل : الأرض ، وقيل : الخلائق . قال قتادة : أوّل ما خلق الله تعالى النور والظلمة ثم ميز بينهما فجعل الظلمة ليلا أسود مظلما ، والنور نهارا مضيئا مبصرا . وقوله تعالى : وَالنَّهارِ ، أي : الذي هو سبب انكشاف الأمور إِذا تَجَلَّى ، أي : تكشف وظهر قسم آخر . قال الرازي : أقسم بالليل الذي يأوي فيه كل حيوان إلى مأواه وتسكن الخلق عن الاضطراب ، ويغشاهم النوم الذي جعله الله تعالى راحة لأبدانهم وغذاء لأرواحهم ، ثم أقسم بالنهار إذا تجلى ؛ لأن النهار إذا جاء انكشف بضوئه ما كان في الدنيا من الظلمة ، وجاء الوقت الذي تتحرّك فيه الناس لمعايشهم وتتحرك الطير من أوكارها والهوامّ من مكانها ، فلو كان الدهر كله ليلا لتعذّر المعاش ، ولو كان كله نهارا لبطلت الراحة ، لكن المصلحة في تعاقبهما كما قال تعالى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً [ الفرقان : 62 ] وقال تعالى : وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ [ إبراهيم : 33 ] . وَما بمعنى من أي : ومن خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ، أي : فيكون قد أقسم بنفسه ، أو مصدرية ، أي : وخلق الله الذكر والأنثى وجاز إضمار اسم الله تعالى لأنه معلوم لانفراده بالخلق ؛ إذ لا خالق سواه والذكر والأنثى آدم وحوّاء عليهما السلام ، أو كل ذكر وأنثى من سائر الحيوانات . والخنثى وإن أشكل أمره عندنا فهو عند الله تعالى غير مشكل معلوم بالذكورة أو الأنوثة ، فلو حلف بالطلاق أنه لم يلق ذكرا ولا أنثى وقد لقي خنثى مشكلا كان حانثا ، لأنه في الحقيقة ذكر أو أنثى